شعار وهج
ما يبقى

الإنصات

personديوان · للقطاع غير الربحي calendar_month6 نوفمبر 2026 schedule3 دقائق
الإنصات: هل نسمع قبل أن نقرّر؟
متى يكون الاستماع فهمًا، ومتى يكون مجرد مساحة للكلام؟

في كثير من الاجتماعات يُمنح الجميع فرصة للكلام. تُفتح المداخلات، وتُطرح الأسئلة، وربما يُطلب من الموظفين أن يقولوا ما لديهم بصراحة. ومع ذلك قد يخرج أحدهم وهو يشعر أنه لم يُسمع حقًّا.

لم يُقاطَع، ولم يُمنَع من الحديث، وربما شُكر في نهايته، لكن القرار كان قد اكتمل قبل أن يبدأ كلامه؛ فلم يدخل ما قاله في تكوين الفهم، بل مرّ بجوار رأيٍ استقرّ مسبقًا.

وهنا يظهر الفرق بين أن نسمع الآخر، وأن ننصت إليه.

الإنصات قبل الحكم

الإنصات لا يعني أن نوافق على ما نسمع، ولا أن يصبح كل رأيٍ ملزمًا، ولا أن تتنازل القيادة عن مسؤوليتها في الحسم. فقد يفهم القائد الاعتراض كاملًا ثم يختار المضيّ في قراره، وقد يسمع المقترح بتفاصيله ثم يراه غير مناسب.

لكن الفرق كبير بين أن نرفض رأيًا بعد أن نفهمه، وأن نسمعه وقد انتهينا أصلًا من الحكم عليه.

الإنصات لا يمنح المتحدث حق القرار، لكنه يمنحه حق أن يُفهم قبل القرار.

وهذا الحق لا يتحقق بطول الوقت الممنوح للكلام، بل بمدى استعدادنا لأن يؤثّر ما نسمعه في فهمنا للمسألة. فقد نستمع دقائق طويلة بينما ننشغل بإعداد الرد، أو نبحث في كلام المتحدث عمّا يؤكد رأينا السابق، أو نفسّر عباراته قبل أن نعرف ما أراد بها.

وفي مراجعةٍ علمية لكلوغر وإتزحاكوف، نُشرت عام ٢٠٢٢ بعنوان «قوة الإنصات في العمل»، استعرض الباحثان أدبيات الإنصات في البيئة المهنية، وبيّنا ارتباطه بعددٍ من المخرجات المهمة، من بينها جودة العلاقات والثقة، والأداء، والمعرفة بالعمل، والاتجاهات المهنية والرفاه. ومن اللافت في هذه المراجعة تأكيدها أن الإنصات ظاهرةٌ بين طرفين، لا مجرد مهارةٍ يعتقد المستمع أنه أتقنها.

وهذه نقطةٌ مهمة؛ لأن جودة الإنصات لا يحددها القائد بقوله: «أنا استمعت إليه»، بل تظهر أيضًا في تجربة من تحدّث إليه: هل شعر أن ما أراد قوله وصل كما قصده؟

لسنا بحاجة إلى الموافقة كي ننصت

أحيانًا نخشى أن يؤدي الإنصات الجيد إلى إضعاف الحسم، وكأنّ فهم الاعتراض يفرض قبوله. لكن الإنصات والحسم ليسا ضدّين.

قد نختلف بعد إنصاتٍ كامل، وقد نبقى على القرار نفسه، لكن جودة القرار تختلف حين يمرّ الرأي المخالف داخل الفهم قبل أن يُستبعد.

قد نختلف بعد إنصاتٍ كامل، لكننا لا ينبغي أن نختلف قبل أن نفهم.

ولذلك قد يكون الاجتماع الذي ينتهي فيه القائد بالقرار نفسه اجتماعًا نافعًا، إذا صحّح خلاله فهمًا، أو اكتشف أثرًا لم يكن يراه، أو أدرك أن الاعتراض نابعٌ من سببٍ مختلفٍ عمّا تصوّره. فالإنصات لا يُقاس دائمًا بتغيّر النتيجة، بل قد يظهر أثره في تحسّن فهم الطريق المؤدّي إليها.

وفي المقابل، حين يعرف الفريق أن الرأي لا يُطلب إلا بعد اكتمال القرار، تتحوّل المشاركة مع الوقت إلى إجراءٍ شكليّ: نتحدث لأن المجال فُتح، لا لأن ما نقوله يمكن أن يدخل في التفكير.

كيف نعرف أننا أنصتنا فعلًا؟

لا يحتاج الأمر إلى قائمةٍ طويلةٍ من مهارات التواصل، ويمكن اختبار جودة الإنصات بسؤالٍ واحد:

هل يستطيع المتحدث بعد انتهاء الحوار أن يقول: لم يوافقني، لكنه فهمني كما أردت أن أُفهم؟

وللاقتراب من هذا المستوى، يمكن مراجعة ثلاثة أمورٍ بسيطةٍ في الحوارات المهنية:

أن نسأل قبل أن نفسّر؛ فقد يكون ما فهمناه من كلام الآخر مختلفًا عمّا يريد قوله.

وأن نؤجّل إعداد الرد حتى يكتمل الفهم؛ لأن من ينشغل بجوابه قد يسمع الكلمات ولا يسمع الحجة.

وأن نعيد للمتحدث ما فهمناه بطريقةٍ تتيح له التصحيح قبل أن ننتقل إلى الحكم: «هل فهمت منك أن المشكلة في كذا؟» فقد تكشف هذه الجملة وحدها أن الخلاف الذي كنا نستعدّ له لم يكن هو الخلاف أصلًا.

وليست هذه تقنياتٍ لإطالة الاجتماعات، بل علاماتٌ على أن الفهم أُعطي فرصته قبل القرار.

وفي المؤسسات لا يمكن أن تُبنى القرارات على كل رأي، ولا أن تستجيب القيادة لكل طلب، لكن يمكنها أن تحرص على ألّا يصبح الكلام مجرد مرحلةٍ شكليةٍ تسبق إعلان ما تقرّر سلفًا. فالإنسان قد يتقبّل قرارًا يخالف ما أراد إذا شعر أن حجته فُهمت بصدق، وقد يظلّ متحفظًا على قرارٍ وافق بعض ما طلبه إذا شعر أنه لم يكن حاضرًا في الحوار أصلًا.

ويبقى السؤال الذي يستحق أن يدخل معنا كل اجتماع:

هل نستمع لنضيف أصواتًا إلى الغرفة، أم لنسمح لما نسمعه بأن يدخل فعلًا في تكوين فهمنا قبل أن نقرّر؟

شارك المقال