شعار وهج
ما يبقى

تقدير الفريق

personديوان · للقطاع غير الربحي calendar_month23 أكتوبر 2026 schedule3 دقائق
تقدير الفريق: حين يصبح الجهد غير مرئيّ
كيف يصبح التقدير جزءًا من الممارسة اليومية، لا كلمةً تُقال بعد الإنجاز؟

في كثير من الفرق يعمل أشخاصٌ لا تظهر جهودهم في الواجهة: من يُعدّ الأرقام التي يعرضها غيره، ومن يراجع التفاصيل التي لولاها لظهر الخلل، ومن يحلّ المشكلات قبل أن تكبر فلا يعلم أحدٌ أنها كانت. ثم يُحتفى بالنتيجة، فيُذكر من وقف في المقدّمة، ويبقى من صنعوا الأساس في الظلّ.

وقد يلتفت القائد إلى عبء العمل، وهو مهمّ، لكن بعض الإرهاق لا يأتي من كثرة المهامّ وحدها؛ بل من أن يبذل الإنسان طويلًا ولا يشعر أن أحدًا رأى ما بذل.

ما التقدير الذي نتحدّث عنه؟

التقدير هنا ليس كثرة الشكر، ولا حفلات التكريم، ولا عبارات المجاملة في نهاية الاجتماع، إنما هو شيءٌ أبسط وأعمق: أن يعرف كلّ فردٍ أن جهده شوهد، وفُهم، ووُضع في مكانه.

وهو يختلف عن أمرين يجاورانه: فالتغذية الراجعة تساعدنا على معرفة جودة الأداء وكيف يتحسّن، والاعتراف بالفضل ينسب الإنجاز إلى أصحابه، أما التقدير فيجعل العامل يشعر أن جهده ملحوظ ومعتبر، وأن ما يبذله أثناء العمل لا يصبح أمرًا مفروغًا منه لا يُلتفت إليه.

ليس التقدير أن نُكثِر من الشكر، بل أن يعرف كلُّ فردٍ أن جهده شوهد وفُهم ووُضع في مكانه.

وليس هذا شعورًا عابرًا. ويؤيّد أهمية أحد وجوه هذا التقدير — وهو التعبير الصادق عن الامتنان — دراسةٌ نوعيةٌ حديثة نُشرت في مجلّة التقارير العلمية (Scientific Reports) عام ٢٠٢٦، حلّلت مئتين وثمانيةً وثلاثين تعليقًا لموظفين في أربع شركات طاقةٍ تعمل في السعودية. وأظهرت تجربةُ الموظفين ارتباطَ التعبير عن الامتنان بالرفاه النفسيّ وجودة العلاقات والدافعية، كما برزت أهمية صدق التعبير ومصدره والسياق الذي قيل فيه. وهي دراسةٌ نوعيةٌ لا تُثبت السببية، لكنها تلفت إلى أن الامتنان في بيئة العمل ليس مجرّد عبارة، وأن طريقة التعبير عنه جزءٌ من قيمته.

حين يضعف أثر التقدير

لا يحقّق التقدير أثره لمجرّد حضوره؛ فقد يضعف إذا جاء عامًّا لا يبيّن ما الذي قُدِّر، أو متأخرًا بعيدًا عن الموقف، أو ظلّ محصورًا في أصحاب الواجهة دون أصحاب الجهد غير الظاهر، أو بُولغ فيه حتى تصبح كلّ مهمّةٍ استثنائية، فيفقد صدقه فلا يعود له وقع.

وحين لا يظهر التقدير إلا مع النتائج الناجحة، قد يشعر من أحسن العمل ولم تتحقّق النتيجة لأسبابٍ خارجةٍ عن يده أن جهده لم يُرَ، وقد تصل إلى الفريق رسالةٌ ضمنية بأن ما يستحقّ الالتفات هو النتيجة وحدها، لا جودة العمل الذي سبقها.

التقدير الصادق لا يرفع كلّ جهدٍ إلى مرتبة الإنجاز، لكنّه لا يترك الجهد الجيّد يمرّ كأنّه لم يكن.

كيف يصير التقدير ممارسة؟

حتى لا يبقى التقدير كلمةً عابرة، يمكن للمؤسسة أن تراجع تقديرها للفريق عبر أربعة أسئلة:

- هل هو محدَّد؟ لا «يعطيك العافية» فحسب، بل ما الذي رأيناه في جهدك تحديدًا؟ فالتقدير المحدَّد يقول للعامل: أنا أراك، لا أجاملك.

- هل هو قريبٌ من الفعل؟ فلا ينتظر التقييم السنويّ ليذكر ما جرى قبل شهور؛ فكلما اقترب التقدير من الموقف كان أوضح صلةً بما قُدِّر.

- هل يصل إلى أصحاب الجهد غير الظاهر؟ فبعض الأعمال المهمّة لا يظهر أصحابها في الواجهة، وإذا لم يُلتفت إليهم انحصر التقدير فيمن تظهر أسماؤهم لا فيمن تتوزّع بينهم صناعة العمل.

- هل هو صادقٌ متوازن؟ فلا يُبالَغ حتى تصير كلّ مهمّةٍ عظيمة، ولا يُبخَل حتى يظنّ المحسن أن إحسانه لم يُلحَظ.

ومعيارٌ واحد يختبر به القائد فريقه: لو سألتَ كلّ فردٍ: هل تشعر أن ما تبذله يراه أحد؟ فماذا سيكون الجواب الصادق؟ فإن كان في الفريق من يبذل ولا يشعر أن جهده مرئيّ، فهذه إشارةٌ تستحقّ المراجعة؛ فقد يكون الجهد حاضرًا والتقدير لم يصل إليه.

لا يحتاج التقدير دائمًا إلى مناسبةٍ ولا إلى خطابٍ طويل، فأحيانًا تكفي ملاحظةٌ دقيقةٌ تقول للعامل: رأيتُ ما فعلت، وفهمتُ قيمته. وحين يصبح هذا جزءًا من الممارسة اليومية، لا يعود الشكر تعويضًا متأخرًا عن جهدٍ خفيّ، بل إشارةً مستمرةً إلى أن العمل داخل الفريق لا يضيع في الزحام. والسؤال الذي يستحقّ أن يبقى أمام كلّ قائد: هل يعرف أفراد فريقي أنني أرى ما يبذلونه، أم أنني لا أتذكّرهم إلا حين تظهر النتيجة؟

شارك المقال