شعار وهج
ما يبقى

تقدير المتطوعين

personديوان · للقطاع غير الربحي calendar_month15 أكتوبر 2026 schedule3 دقائق
تقدير المتطوعين: كيف نُقدّر وقتًا لم نشترِه؟
كيف يبدأ تقدير المتطوع من تصميم تجربته، لا من شهادة الشكر في نهايتها؟

حال انتهاء مبادرة تطوعية، تحرص المؤسسات على شكر متطوعيها: شهادة، أو حفل تكريم، أو رسالة امتنان، وهذا كله حسن، ويستحقه من بذل وقته وجهده، لكن متطوعًا قد يغادر التجربة حاملًا شهادته، وقد قرر في نفسه ألّا يعود؛ لا لأنه لم يسمع كلمة شكر، بل لأنه شعر أثناء العمل أن وقته أُهدر، أو أن قدرته لم تُستثمر، أو أنه لم يعرف أصلًا ماذا صنع حضوره.

وهذا يضع التقدير أمام سؤال مختلف:

هل هو ما نقوله للمتطوع بعد انتهاء مهمته، أم ما يعيشه منذ اللحظة التي قرر فيها أن يمنحنا جزءًا من وقته؟

تقدير يُقال، وتقدير يُعاش

هناك تقدير نعبّر عنه بالكلمة والشهادة والتكريم، ولا ينبغي التقليل من شأنه، لكنه يأتي غالبًا في نهاية التجربة.

وهناك تقدير آخر يسبق ذلك كله: يظهر في جودة الفرصة التي صُمّمت للمتطوع، واحترام الوقت الذي بذله، ومواءمة المهمة لقدراته، ووضوح دوره، ثم في أن يعرف ماذا أحدث جهده.

أول التقدير أن نُحسن إدارة ما تطوّع الإنسان بمنحه.

بهذا يصبح التكريم في النهاية امتدادًا لتجربة محترمة، لا محاولة لتعويض تجربة مرتبكة.

أربع صور للتقدير

يمكن النظر إلى تقدير المتطوع من خلال أربع صور مترابطة:

تقدير الوقت: أن تكون الساعات التي منحها للعمل معمورة بما جاء من أجله، لا مستهلكة في انتظار وسوء تنظيم واجتماعات لا حاجة إليها، فعدم تقاضي المتطوع أجرًا لا يجعل وقته أقل قيمة، بل يزيد مسؤولية المؤسسة عن حسن إدارة ما اختار أن يمنحه لها دون إلزام وظيفي.

تقدير القدرة: أن يُستفاد من خبرته فيما استُقطب من أجله، فاستقطاب صاحب تخصص لمهمة تحتاج خبرته، ثم استخدامه في أعمال عامة لم يُستقطب لها، لا يحسن استثمار القدرة التي جاء بها طوعًا.

تقدير الدور: أن يعرف ماذا يُنتظر منه، وما حدود مسؤوليته، ومن يرجع إليه، وأن يجد الإشراف والأدوات والمعلومات التي تعينه على أداء مهمته جيدًا، فالحماس لا يعوّض غموض المهمة وسوء إدارتها.

تقدير الأثر: أن يعرف المتطوع ماذا تغيّر بسبب مساهمته، فقد نخبره بعدد الساعات التي تطوع بها، بينما الأهم أحيانًا أن نخبره ماذا صنعت تلك الساعات.

مجانية العطاء لا تعني مجانية الوقت.

التطوع لا يعفي المؤسسة من المهنية

قد يُقال: المتطوع جاء باختياره، ولا ينتظر أجرًا؛ فلماذا كل هذه المتطلبات؟

لأن التطوع لا يلغي حق الإنسان في تجربة مهنية محترمة، وهذا ليس تقديرًا أخلاقيًا فقط؛ فتنظيم العمل التطوعي في المملكة يقرر حقوقًا للمتطوع، ويجعل على الجهة المستفيدة مسؤوليات تتعلق بالتدريب والإشراف والتغذية الراجعة وتوفير ما يحتاجه لأداء العمل. كما أن اللائحة تمنع تكليف المتطوع بتنفيذ مهام أحد الموظفين؛ فلا يتحول التطوع إلى وسيلة لسد نقص القوى العاملة تحت عنوان المشاركة المجتمعية.

فالفرق بين المتطوع والموظف في طبيعة العلاقة، لا في استحقاق حسن التنظيم واحترام الوقت.

ليس كل المتطوعين يأتون للسبب نفسه

ويضيف النموذج الوظيفي للتطوع، الذي طوّره كلاري وسنايدر وزملاؤهما، بعدًا مهمًا لفهم تجربة المتطوع، فالدافع إلى التطوع ليس واحدًا؛ وقد صنف النموذج الوظائف التي يمكن أن يحققها التطوع للفرد في ستة مجالات:

خدمة القيم، والتعلم والفهم، والعلاقات الاجتماعية، والمسار المهني، والنمو الشخصي، والحماية النفسية.

وقد يجتمع أكثر من دافع لدى الشخص نفسه؛ فقد يأتي أحدهم لأن القضية تمثل قيمة يؤمن بها، ويأتي آخر راغبًا في تعلم خبرة جديدة، ويرى ثالث في التطوع فرصة لبناء خبرة مهنية.

وتشير أبحاث هذا النموذج إلى أن رضا المتطوع واستمراره قد يرتفعان حين تلبي التجربة الوظيفة أو الدافع الذي جاء من أجله. وهنا تظهر محدودية التقدير الموحد: فمن جاء ليتعلم، جزء من تقديره أن يتعلم؛ ومن جاء ليخدم قضية، جزء من تقديره أن يرى أثر مساهمته فيها.

لذلك لا تبدأ المؤسسة الجيدة بسؤال: كيف سنكافئ متطوعينا؟ فقط، بل تسأل قبل ذلك:

لماذا جاءوا؟ وما التجربة التي وعدناهم بها ضمنًا حين دعوناهم؟

والتقدير لا يحوّل التطوع إلى صفقة

تتيح اللائحة التنفيذية تقديم محفزات للمتطوعين، لكنها تشترط ألّا تتعارض طبيعتها مع جوهر العمل التطوعي وقيمه وأهدافه، وهذا يضع الحافز في موضعه: وسيلة لدعم التجربة والاعتراف بالمساهمة، لا لتحويل العلاقة التطوعية إلى مقابل مستتر.

فالتقدير لا يشتري عطاء المتطوع، بل يحسن استقبال ما اختار أن يقدمه.

ويبقى للمؤسسة اختبار يسير يكشف أكثر مما تكشفه قوائم التكريم:

لو حذفنا شهادة الشكر وحفل التكريم، فما الذي سيبقى في تجربة المتطوع شاهدًا على أننا قدّرناه فعلًا؟

المتطوع لا يقيس تقديره بما قيل له في نهاية المهمة وحدها، بل بما جرى لوقته وقدرته منذ أن دخلها، وحين يرى أن ما منحه قد وُضع في موضعه، وأن دوره كان واضحًا، وأن لأثره مكانًا يستطيع أن يراه، تصبح كلمة الشكر في النهاية تأكيدًا لتجربة عاشها، لا تعويضًا عن تجربة افتقدها.

شارك المقال