شعار وهج
ما يبقى

الاعتراف بالفضل

personديوان · للقطاع غير الربحي calendar_month29 أكتوبر 2026 schedule3 دقائق
الاعتراف بالفضل: لمن تُنسب قصة النجاح؟
كيف نُنصف المساهمات دون أن نحتكر النجاح أو نوزّع الفضل بالمجاملة؟
حين ينجح مشروع، تبدأ روايةٌ أخرى غير رواية العمل نفسه: من الذي صنع هذا النجاح؟

في العرض أمام المجلس، وفي التقرير السنويّ، وفي لقاء المانح، وربما في حديثٍ عابر؛ تُختصر شهورٌ من العمل في أسماءٍ قليلة. وقد تتقدّم الواجهة حتى تبدو كأنها القصة كلها، بينما وراء النتيجة فكرةٌ اقترحها شخص، وبابٌ فتحه آخر، ومشكلةٌ حلّها ثالث، وفريقٌ حمل التنفيذ حتى نهايته.

ليست المسألة أن نذكر الجميع في كل مناسبة، ولا أن ننكر دور القيادة. السؤال أدقّ: هل نروي قصة النجاح كما حدثت فعلًا؟

التقدير شيء .. ونسبة الفضل شيء آخر

التقدير يجعل الإنسان يشعر أن جهده ملحوظ ومعتبر، والتغذية الراجعة تساعده على معرفة جودة أدائه وكيف يتحسّن، أما الاعتراف بالفضل فيتعلّق بنسبة الإسهام إلى صاحبه: من قدّم الفكرة؟ ومن حمل الجزء الأصعب؟ ومن مهّد الطريق؟ ومن أسهم في النتيجة التي نعرضها اليوم؟

ولهذا قد نشكر أحد أفراد الفريق كثيرًا، ثم نقف أمام الآخرين فنروي الإنجاز بطريقةٍ لا يظهر فيها دوره؛ فيكون التقدير حاضرًا، لكن نسبة الفضل لم تكن دقيقة.

الاعتراف بالفضل ليس تنازلًا عن نجاحنا، بل أن نروي قصة النجاح كما حدثت.

وفي دراسةٍ لتشين وزملائه، منشورة عام ٢٠٢٢ في مجلة «فرونتيرز في علم النفس»، تناولت استحواذ القائد على فضل عمل موظفيه في عينة من أربعمئة وثمانية عشر ثنائيًا بين قائد وموظف في شركة صناعية كبيرة، أظهرت النتائج ارتباط هذه الممارسة بارتفاع الغضب والشعور بعدم الإنصاف، كما أظهرت التحليلات أن هذين الشعورين توسّطا العلاقة بينها وبين تراجع التعبير عن الرأي والأداء.

وتلفت هذه النتيجة إلى أن نسبة الإنجاز ليست مجرد مجاملة لغوية، بل قد تمس شعور العاملين بالعدل داخل العمل.

لا استئثار… ولا مساواة مصطنعة

لكنّ تصحيح استحواذ الفضل لا يعني أن ننتقل إلى الطرف الآخر فنقول عن كل إنجاز: «هذا نجاح الجميع» ثم ننتهي.

فالمساهمات ليست متساويةً دائمًا؛ فقد يكون من بدأ الفكرة غير من طوّرها، ومن حمل التنفيذ غير من قدّم دعمًا محدودًا، ومن تحمّل المسؤولية عند التعثّر غير من حضر في نهايتها. والإنصاف لا يقتضي أن نعطي الجميع الحصة نفسها من الفضل، وإنما أن نعطي كل إسهامٍ قدره.

العدل لا يعني أن يتساوى الجميع في الفضل، بل أن يُنسب لكلّ إسهامٍ ما يستحقّه.

وهذا أصعب من المجاملة؛ لأنه يتطلّب أن نعرف العمل فعلًا، لا أن نكتفي بمن ظهر في صورته الأخيرة.

الفضل لا يبدأ عند لحظة النجاح

وثمّة نوعٌ آخر من النسيان لا يقع داخل الفريق الحاليّ، بل في تاريخ المؤسسة نفسه. فقد نصل إلى مشروعٍ ناضج، ثم ننسى من فتح بابه أول مرة، فنحتفي بما أصبح عليه اليوم، ولا نذكر من تحمّل تجاربه الأولى، أو بنى علاقاته، أو أخطأ حتى تعلّم منه من جاء بعده.

وتغيّر الأشخاص لا يمحو أثر ما صنعوه؛ ومن الإنصاف أن تتّسع ذاكرة المؤسسة لمن مهّدوا الطريق، حتى لو لم يكونوا حاضرين يوم ظهرت الثمرة.

وهذا لا يعني أن نبقى أسرى للماضي، أو أن ننسب كل تطوّرٍ إلى المؤسسين وحدهم، وإنما أن نميّز بين من بدأ، ومن طوّر، ومن أوصل العمل إلى صورته الحالية؛ فلا يبدأ تاريخ النجاح من الفريق الذي يقف اليوم أمام الكاميرا.

أين يظهر صدق الاعتراف بالفضل؟

يمكن اختبار ذلك في ثلاثة مواضع عملية:

عند عرض الإنجاز:  هل نذكر الأسماء والمساهمات التي صنعت النتيجة، أم تختصرها الواجهة في نفسها؟

عند التقييم والمكافأة: هل تتوافق المكافآت والتقديرات مع من حملوا العمل فعلًا، أم أن الرواية الداخلية تختلف عن الرواية المعلنة؟

وعند كتابة الذاكرة المؤسسية: هل تحفظ التقارير والوثائق أثر من أسّسوا وطوّروا وفتحوا الأبواب، أم يُعاد سرد التاريخ كلما تغيّرت القيادة؟

وليست هذه دعوةً إلى إغراق كل إنجازٍ بقائمة أسماء، بل إلى قدرٍ من الدقة الأخلاقية والمهنية: ألّا نأخذ لأنفسنا ما صنعه غيرنا، وألّا نمحو الفروق بين الإسهامات باسم التواضع الجماعيّ.

فالنجاح الجماعيّ لا يصغر حين نعيد الفضل إلى أصحابه؛ بل تصبح قصته أكثر صدقًا. وما يستحقّ أن يبقى في المؤسسة ليس فقط ما أنجزته، بل أيضًا ذاكرتها العادلة لمن أسهموا في صناعة هذا الإنجاز. وحين يكبر الإنجاز وتكبر معه قيمة أن يُنسب إلينا، لا يكون السؤال: هل نحن متواضعون؟ بل: هل نحن منصفون في رواية ما حدث؟

شارك المقال