شعار وهج
ما يبقى

زرع الأمل

personديوان · للقطاع غير الربحي calendar_month9 أكتوبر 2026 schedule4 دقائق
زرع الأمل: ما بعد «ستكون الأمور بخير»
كيف نساعد من ضاقت أمامه الخيارات على رؤية ما لا يزال ممكنًا، دون أن نَعِده بما لا نملك؟

حين يمرّ من حولنا بإخفاق في مشروع، أو رفضٍ لمقترح، أو تعثّر لم يكن في الحسبان، يكون من أيسر ما نملكه أن نقول: «لا تقلق، ستكون الأمور بخير»، وهي كلمة طيبة قد تخفّف ثقل اللحظة، لكنها لا تجيب دائمًا عن السؤال الذي يأتي بعدها: وماذا أستطيع أن أفعل الآن؟

فالذي أوهنه التعثّر لا يحتاج إلى الطمأنة وحدها، بل إلى من يعينه على رؤية أن الصعوبة لم تغلق كل الطرق، وأن أمامه شيئًا ما يزال ممكنًا، وخطوة يستطيع أن يبدأ بها.

الأمل ليس اسمًا آخر للتفاؤل

تتقارب في الاستخدام اليومي مفاهيم مثل الأمل، والتفاؤل، والكفاءة الذاتية، والصمود، وقد تجتمع لدى الإنسان نفسه، لكنها لا تصف الشيء ذاته.

فـالتفاؤل يتعلق أساسًا بتوقعات الإنسان تجاه المستقبل؛ أي ميله إلى ترجيح النتائج الإيجابية. 

أما الكفاءة الذاتية فتتصل باعتقاده بقدرته على أداء مهمة أو التعامل مع موقف بعينه، فيما يصف الصمود قدرته على التكيف مع الشدائد واستعادة توازنه بعدها.

ويختلف الأمل في نظرية تشارلز سنايدر من حيث ارتباطه بهدف يسعى الإنسان إليه، وبعنصرين يعملان معًا: أن يستطيع تصور مسارات ممكنة نحو ذلك الهدف، وأن يمتلك الدافعية التي تحركه في تلك المسارات.

وبذلك يتقاطع الأمل مع التفاؤل في التوجه الإيجابي نحو المستقبل، لكنه يضيف إليه بنية أكثر اتصالًا بالهدف والطريق والحركة نحوه.

فالطريق بلا دافعية يبقى فكرة، والدافعية بلا طريق قد تصبح حماسة لا تعرف أين تذهب.

وبعبارة موجزة: التفاؤل يتصل أساسًا بما نتوقعه من المستقبل، أما الأمل فيتصل أيضًا بما نراه من مساراتٍ نحو ما نريد، وبقدرتنا على التحرك فيه

وصانع الأمل لا يحمل الآخر إلى غايته، بل يساعده على استعادة قدرته على السير نحوها؛ فلا ينجز الطريق عنه، وإنما يعينه على رؤية المسار وما يملكه من قدرة على التحرك فيه.

الأمل الذي نزرعه في الآخرين ليس وعدًا بالنتيجة، بل أن نعينهم على رؤية ما لا يزال ممكنًا وما يستطيعون البدء به.

الأمل قابل للتنمية

ومن أهمية هذا التصوّر أنه لا يجعل الأمل مجرد مزاجٍ يحضر عند بعض الناس ويغيب عند آخرين، ففي نظرية سنايدر، يمكن العمل على مكوّنات الأمل نفسها: وضوح الغاية، والقدرة على ابتكار مسارات متعددة إليها، وتعزيز الدافعية للسير فيها. ولأجل ذلك لا يكون زرع الأمل مجرد رفعٍ للمعنويات، بل مساعدة الإنسان على أن يتعلم كيف يرى البدائل، وكيف ينتقل من انسداد الطريق إلى البحث عن طريق آخر.

وهذا مهم في الممارسة المهنية؛ لأن الأمل لا يعود موهبة شخصية لدى من يحسن التشجيع، بل قدرة يمكن تنميتها في طريقة تعاملنا مع المستفيدين والزملاء والفرق والشركاء.

الطمأنة مطلوبة… لكنها لا تكفي

ليست الطمأنة نقيضًا للأمل، فقد يحتاج الإنسان في اضطرابه إلى كلمة تخفّف عنه وتعيد إليه شيئًا من توازنه، لكن الخلل يبدأ حين نقف عندها، أو حين تتحول إلى وعد بما لا نملك.

أن نقول: «ستنجح المحاولة القادمة» ونحن لا نعلم، أو «ستنتهي المشكلة قريبًا» ولا نملك أسباب ذلك، قد يمنح راحة مؤقتة، لكنه لا يبني قدرة.

والأمل الصادق لا ينكر صعوبة الواقع ولا يجمّله، بل يساعد الإنسان على فرز ثلاثة أشياء: ما الغاية التي ما زالت تستحق السعي؟ وما المسارات الممكنة إليها؟ وما الخطوة التي أملكها الآن؟

الأمل لا يحتاج إلى تجميل الواقع؛ يحتاج إلى أن نجد داخله مساحةً للفعل.

حين تُضعف الإعانة من نريد تقويته

وقد ننحرف من الجهة الأخرى: نريد مساعدة الإنسان فنأخذ عنه كل شيء؛ نختار له، ونقرر عنه، ونحل مشكلته كاملة، ثم نندهش حين يعود في الخطوة التالية منتظرًا ما سنفعله نحن.

ولا يعني ذلك أن نترك من يحتاج إلى العون بحجة تمكينه؛ فقد يحتاج الإنسان في بعض مراحله إلى من يحمل عنه ما لا يستطيع حمله، لكن المساعدة تفقد جزءًا من غايتها إذا أصبحت قدرتنا بديلًا دائمًا عن قدرته.

لذلك لا يكون السؤال فقط: كم صنعنا للآخر؟ بل أيضًا: ما الذي أصبح أقدر على صنعه بعد مساعدتنا؟

كيف يصبح زرع الأمل ممارسة؟

يمكن ترجمة زرع الأمل إلى ثلاث ممارسات واضحة: أن نسمّي الواقع كما هو، وأن نبحث مع الآخر عمّا لا يزال ممكنًا، وأن نصل معه إلى خطوة يستطيع القيام بها.

فإذا أُغلق طريق، ساعدناه على رؤية طريق آخر، وإذا بدا الهدف بعيدًا، بحثنا عن الجزء الذي يمكن البدء به، وإذا استولى عليه شعور العجز، لم ننكر صعوبة ما يواجهه، بل أعنّاه على التمييز بين ما خرج من دائرة قدرته وما بقي فيها.

وقد يكون من أمامنا مستفيدًا، أو زميلًا، أو فريقًا، أو شريكًا؛ تختلف المواقع ويبقى السؤال واحدًا: ما الذي يمكن أن نساعده على رؤيته أو فعله الآن، بدل أن نكتفي بطلب ألا ييأس؟

ومن يُطلب منه بثّ الأمل في الآخرين يحتاج هو أيضًا إلى أن يرى في عمله أثرًا وإمكانًا للفعل؛ فليس من اليسير أن نطلب من العامل أن يعيد للآخرين قدرتهم على الحركة، بينما لا يرى هو لخطواته جدوى أو مساحة يستطيع التأثير فيها.

ويمكن للمؤسسة أن تختبر أثرها بسؤال واحد: حين يخرج الإنسان من تعامل معنا، هل أصبح أقدر على أن يسمّي خطوته التالية، أم أصبح أكثر انتظارًا لما سنفعله نحن؟

زرع الأمل ليس أن نَعِد الناس بطريق سهل، ولا أن نحملهم حتى نهايته، فقد لا نملك إزالة العائق، ولا ضمان النتيجة، لكننا نستطيع أن نساعد من أمامنا على رؤية ما حجبه عنه ضغط اللحظة: أن الطريق قد يضيق دون أن ينتهي، وأن تعثّر خطوة لا يسلب الإنسان قدرته على الخطوة التي بعدها.

شارك المقال