الصبر على الطريق: هل كلُّ استمرارٍ صبرٌ؟
كيف نعرف متى نواصل، ومتى نغيّر الطريق، ومتى يكون التوقّف هو القرار الأجدر؟
في القطاع كلمةٌ محبوبةٌ لا يكاد أحدٌ يعترض عليها: الصبر، يُثنى على من صبر، ويُلام من تعجّل، ويُقال للمشروع المتعثّر: «اصبروا، فالثمرة تحتاج وقتاً»، وهي كلمةُ حقٍّ في أكثر مواضعها، لكنها أحياناً تُقال في غير موضعها، فتُبقي على ما كان الأولى أن يُوقَف، وتُلبِس التشبّثَ ثوبَ الفضيلة.
والسؤال الذي قلّما يُطرح: كيف نعرف أنّ استمرارنا على هذا الطريق مثابرةٌ ستُثمر، لا تشبّثٌ نخشى معه أن نعترف بأنّنا أخطأنا الطريق؟
استمرارٌ يتقدّم، واستمرارٌ يدور في مكانه
الصبر في أصله فضيلةٌ عظيمة، وهو معدنُ من يبقى حين ينفضّ المتعجّلون، فالثمار لا تُجنى على عجل، والأثر الحقيقيّ وليدُ الزمن، ومن أراد النتيجة الفورية غادر قبل أوانها، هذا كلّه حقّ.
لكنّ الاستمرار قد يكون صبراً، وقد يكون شيئاً آخر يشبهه في ظاهره ويختلف عنه في جوهره: التشبّث بما ثبت فشله، فكلاهما استمرارٌ رغم الصعوبة، وكلاهما رفضٌ للانسحاب، والفرق بينهما لا يظهر في مقدار التعب، بل في مصدر الاستمرار.
الصبر يستند إلى ما بقي في الطريق من شواهد تبرّر المضيّ، والتشبّث يستند إلى ما مضى فيه من كلفة.
ما الذي يجعلنا نبقى بعد فوات الأوان؟
هنا يكشف البحث في سلوك القرار شيئاً دقيقاً، فقد بيّن هال أركس وكاثرين بلومر، في دراستهما المعروفة عام ١٩٨٥، أثر الكلفة الغارقة: أن تؤثّر الموارد التي أنفقناها سابقاً — مالاً أو وقتاً أو جهداً — في قرارنا الحاليّ بالاستمرار، مع أنّ القرار الرشيد ينبغي أن ينظر إلى ما سيترتّب مستقبلاً لا إلى ما فات.
ويرتبط به في أدبيات الإدارة مفهومُ تصعيد الالتزام، الذي درسه باري ستاو عام ١٩٧٦، والأدقّ فيه ملاحظةٌ تمسّ القائد في نفسه:
أنّ ميل الإنسان إلى ضخّ مزيدٍ من الموارد في مسارٍ متعثّر يشتدّ حين يكون هو نفسه صاحب القرار الأوّل، إذ لا يعود الاعتراف بخطأ المسار متعلقاً بالمشروع وحده، بل يمسّ صاحبه وقراره الأول.
ومن هنا يصبح التمسّك أعمق من الحساب، فأحياناً لا ندافع عن المشروع وحده، بل عن القرار الذي اتّخذناه، وعن صورتنا بوصفنا من اتّخذه، ولذلك كان أشقّ ما في المراجعة أن يراجع الإنسانُ قراراً هو صاحبه.
الصبر الذي يُطلب لتأجيل الاعتراف
يظهر أوّل مواضع الخلط: أن يُستعمل خطاب الصبر غطاءً لقرارٍ صعبٍ لا نريد اتّخاذه.
فالمشروع الذي تتكرّر مراجعته من غير تقدّمٍ كافٍ يبرّر مواصلة الاستثمار فيه، والبرنامج الذي تتجدّد ميزانيته عاماً بعد عام من غير شواهد كافية على جدواه يُقال فيهما: «نصبر قليلاً»، وقد يكون الصبر صواباً، لكن ينبغي أن نسأل: أنصبر لأنّ لدينا شاهداً يجعل النجاح ممكناً، أم لأنّ إيقافه يعني الاعتراف بأنّ ما بذلناه ذهب سُدى؟ فالأوّل مثابرة، والثاني تشبّثٌ وجد في لغة الصبر غطاءً له.
وتشير دراسات في تنظيم الأهداف إلى أنّ النضج لا يكون دائماً في زيادة المثابرة، فحين يصير هدفٌ ما غير قابلٍ للتحقّق، قد تكون القدرة على فكّ الارتباط به وإعادة توجيه الجهد إلى هدفٍ ممكنٍ صورةً من التكيّف الرشيد، لا علامةً على ضعف الإرادة.
الصبر الذي يُطلب لتحميل العامل خللَ المؤسسة
والموضع الثاني للخلط: أن يُحمَّل العاملُ صبراً ليس عليه؛ فالصبر على طول المسافة شيء، والصبر على خللٍ قابلٍ للإصلاح شيءٌ آخر، وحين تكون المشكلة في قرارٍ مرتبك، أو مواردَ غير كافية، أو إجراءٍ يمكن إصلاحه، فمطالبة العامل بالصبر لا تعالج المشكلة، بل تنقل كلفتها إليه، والمؤسسة التي تسمّي خللها طولَ طريقٍ تُطالب منسوبيها بأن يحتملوا ما كان عليها أن تُصلحه.
ثلاثة قرارات، لا قراران
وأكثر ما يُفسد الصبر أن نحصر الخيار في «نستمرّ أو نتوقّف»، فبين الطرفين قرارٌ ثالث: أن نعدّل الطريق، فمن راجع مساره قد يجد أنّ الغاية سليمةٌ والوسيلة خاطئة، فلا هو ماضٍ على ما كان، ولا هو منسحبٌ من الغاية.
وأصعبُ ما في تحديد شروط التوقّف أنّه يأتي متأخّراً، بعد أن نكون قد أنفقنا كثيراً، ولذلك كان الأولى أن يُتّفق على شروط المراجعة قبل أن تتراكم الكلفة، حين يكون الذهن صافياً والقرار غير مثقلٍ بما بُذل، وثلاثة أسئلة تكفي لذلك:
الأول: ما الذي ينبغي أن نراه لنعرف أنّ الطريق يتقدّم؟ لا وعداً بالنتيجة، بل دلائل مرحليةً متّفقاً عليها.
والثاني: ما الذي لو حدث جعلَنا نغيّر المسار أو نوقفه؟ حتى لا تكون كلّ نتيجةٍ قابلةً لإعادة التفسير لمصلحة الاستمرار.
والثالث، وهو أكشفها: لو لم نكن قد بدأنا هذا المشروع، وعُرض علينا اليوم بما نعرفه الآن، أكنّا نختاره؟
وبهذا يُفصل في المراجعة بين ما بُذل وما هو آتٍ.
السؤال ليس: كم أنفقنا حتى الآن؟ بل: لو بدأنا اليوم أكنّا سنمضي في هذا الطريق؟
كما ينبغي أن يكون إيقاف المشروع خياراً محترماً لا هزيمةً شخصية، فالمؤسسة التي تعدّ التوقّف فشلاً تدفع منسوبيها إلى التشبّث حفظاً لصورتهم.
ومعيارٌ واحد يكشف الفرق: حين نصبر على مشروعٍ متعثّر، هل نستند إلى شاهدٍ يجعل نجاحه ممكناً، أم إلى ما أنفقناه فيه حتى الآن؟ فإن كان الأوّل فهو صبرٌ رشيد، وإن كان الثاني فهو تشبّثٌ يُلبَس لبوس الصبر.
ليس الصبر أن نستمرّ لأنّنا بدأنا، بل أن نستمرّ ما دام في الطريق ما يبرّر المضيّ، وقد يكون ضعفُ الصبر أن نغادر قبل أن تنضج الثمرة، كما قد يكون سوءُ فهمه أن نبقى بعد أن تقول الشواهد إنّ الطريق يحتاج إلى تغيير، فالنضج ليس في كثرة ما نحتمل، بل في أن نعرف ما يستحقّ أن نصبر عليه، وما يستحقّ أن نراجعه، وما آن لنا أن نتركه.



