شعار وهج
ما يبقى

التفاؤل بالخير

personديوان · للقطاع غير الربحي calendar_month22 سبتمبر 2026 schedule4 دقائق

التفاؤل بالخير: هل نقرأ الفرصة القادمة بعين خيبتنا السابقة؟
متى يكون استحضار التجارب السابقة نضجًا، ومتى يكون قعودًا بلغة الخبرة؟

«جرّبنا هذا من قبل ولم ينجح».

جملةٌ تتردّد في اجتماعاتنا حتى صارت من أثاث الغرفة، تُقال بهدوء؛ فالتجربة وقعت، ومن حضرها لا يزال في المكان، فيُطوى الملفّ، ويخرج الجميع مطمئنّين إلى أنّهم تصرّفوا بحكمة.

وقد يكونون كذلك، لكنّ الجملة نفسها تحتمل معنيين لا يفترقان في اللفظ: أن نكون فحصنا المشروع فوجدناه لا يصلح، أو أن نكون كففنا عن تصديق أنّ شيئًا يمكن أن ينجح. وبين المعنيين تقع المسافة كلّها.

أن نتعلّم من الإخفاق، أو أن نعمّم منه

الإخفاق معلومة، وهذه المعلومة تُستعمل على وجهين متشابهين في الظاهر، متباعدين في الأثر.

الأول أن نسأل: لماذا أخفق؟ فنفحص الأسباب، ونعزل ما كان ظرفيًّا عمّا كان بنيويًّا، ونخرج بمحاولةٍ أنضج.

والثاني أن نسأل: ماذا يعني أنّه أخفق؟ فنستخرج منه حكمًا عامًّا، تعثّرت مبادرةٌ لسوء توقيتها، فيُقال: المجتمع لا يستجيب. وانسحب مانحٌ لظرفٍ خاصّ، فيُقال: الشراكات لا يُعوَّل عليها، وأخفق قائدٌ في تفويض فريقه، فيُقال: الثقة لا تصلح في بيئة العمل.

الأول يُنتج سؤالًا، والثاني يُنتج حكمًا؛ فالأول يفتح الملفّ، والثاني يغلقه.

والتفاؤل - في جوهره - انحيازٌ إلى الأول: ليس إنكارًا لما جرى، بل رفضًا لأن يكون ما جرى هو الكلمة الأخيرة فيما لم يأتِ بعد.

وفي أصله الإيمانيّ لا يعني التفاؤل يقينًا بأنّ ما نريده سيقع كما نريد، بل حسنَ ظنٍّ بالله لا يحصر الخير في صورةٍ واحدة، فقد يكون الخير في نجاح المحاولة، أو في كشف خللها، أو في صرفها إلى طريقٍ أنفع، ولذلك لا يَعِد المتفائل نفسه بالنتيجة، لكنّه يرفض أن يقرأ تعثّره بوصفه انقطاعًا للخير.

غير أنّ هذا التمييز قد يثير سؤالًا مشروعًا: أليس رفض المحاولة أحيانًا هو عين النضج، لا أثرًا من آثار اليأس؟ ألا يُفترض في المؤسسة الرشيدة أن تحسب حساب إخفاقاتها، ولا تُغامر بموارد الناس تحت شعار التفاؤل؟

بلى، والفارق ليس في استحضار التجربة، بل فيما نستخرجه منها؛ فمن قال: «أخفقنا لأنّ التمويل انقطع في منتصف الطريق» فقد تعلّم، وسيبني المرّة القادمة على تمويلٍ أوثق، ومن قال: «أخفقنا، فهذا المجال لا يصلح» فقد أصدر حكمًا على المستقبل بشاهدٍ من الماضي وحده؛ فالتعلّم يجعل المحاولة القادمة أدقّ، والتعميم يجعلها مستبعَدة.

حين تتحوّل الخيبة إلى ثقافة

وتظهر هذه الخيبة في صورتين تتغذّى إحداهما من الأخرى:

أمّا في العامل فتبدأ خفيفة: يقترح فلا يُؤخذ باقتراحه، ويجتهد فلا يُثمر اجتهاده، مرّةً ومرّتين وثالثة، فيتعلّم - دون أن يقرّر ذلك - أن يقلّل من التوقّع حمايةً لنفسه من الخذلان، ثم يصير الاقتراح عبئًا، والمبادرة مخاطرة، فيكتفي بأداء المطلوب، وهو لم يفقد كفاءته، إنّما فقد استعداده لأن يمنح الاحتمال فرصة، وهذا الفرد لا تكفيه الموعظة وحدها؛ بل يحتاج أن يرى في بيئته استجابةً عملية تؤكّد أنّ الاقتراح يمكن أن يُسمع، والمحاولة يمكن أن تُمنح فرصتها.

وأمّا في الكيان فتتحوّل إلى عرفٍ غير مكتوب: تُقابَل الأفكار الجديدة بسردٍ لما جُرّب من قبل، ويُحتفى بمن يتوقّع الأسوأ بوصفه واقعيًّا، ويُنظر إلى المتحمّس بوصفه قليل الخبرة، وحين تسود هذه الثقافة، لا تعود المؤسسة ترى الفرص حين تمرّ بها؛ لأنّها صنّفتها مسبقًا في باب ما لا يُجدي.

متى ينحرف التفاؤل؟

وللتفاؤل انحرافان يُفسدانه من جهتين متقابلتين:

ينحرف أوّلًا حين يصير بديلًا عن الخطة، فقول «الأمور ستتحسّن» من غير تصوّرٍ لكيف تتحسّن ليس تفاؤلًا، بل تأجيلٌ للقرار بلغةٍ مريحة، والتفاؤل الصادق يدفع إلى العمل ولا يُعفي منه؛ فمن رجا الخير بحث عن طريقه، بل إنّ التفاؤل الناضج يسمح للمؤسسة أن تقول بوضوح: هذا المشروع لم ينجح، وهذا المسار ينبغي أن يتوقّف، ثم يترك مع ذلك بابًا لسؤالٍ جديد وطريقةٍ أخرى.

وينحرف ثانيًا حين يصير مطلبًا تفرضه الإدارة؛ فحين يُقابَل من يعرض المخاطر بأنّه «سلبيّ» أو «لا يُحسن الظنّ»، فقد استُعمل التفاؤل لإسكات المراجعة لا لتحريك العمل، والمؤسسة التي تُعاقب على قول الحقيقة لا تصنع متفائلين، بل تصنع صامتين.

فالواقعية تجيب: أين نحن؟ والتفاؤل يضيف: وما الذي لا يزال ممكنًا؟

فإذا انغلقت الواقعية على ما هو قائم تحوّلت إلى جردٍ للخسائر، وإذا انفرد التفاؤل صار أمنيات؛ وباجتماعهما يُصنع قرارٌ يرى العائق ولا يُسلّمه زمام المستقبل.

كيف تحفظ المؤسسة قدرتها على المحاولة؟

لا يُبنى التفاؤل بالخطب الحماسية، بل بطريقة القيادة في قراءة الأحداث، فمن ضخّم الفشل زرع الخوف من التجربة، ومن هوّنه زرع عدم الثقة، أمّا القيادة الناضجة فتسمّي الخسارة باسمها، وتفصل بينها وبين قيمة الأشخاص، وتحوّلها إلى معرفةٍ قابلة للاستعمال. ويظهر ذلك حين يُقال للفريق: «أخفقنا في هذا المسار»، لا: «نحن لا نجيد هذا النوع من العمل»؛ فالأولى تصف حدثًا، والثانية تصدر حكمًا على الهوية.

ومن مسؤوليتها كذلك أن تحفظ ذاكرتها من الانتقاء، فبعض الفرق تتذكّر كلّ إخفاقٍ بالتفاصيل، وتنسى المحاولات التي نجحت بعد تعثّر، أو الشراكات التي نضجت بعد تأخّر، أو المبادرات التي احتاجت أكثر من صيغةٍ قبل أن تجد طريقها، والذاكرة التي لا تحفظ إلا الخسائر تصنع مستقبلًا أضيق من الواقع.

ويظهر ذلك عمليًّا في أمرين: أن يُقدَّر من خاض محاولةً منضبطة وتعلّم من نتائجها وإن لم يبلغ غايته، لا أن تكون السلامة لمن لم يحاول أصلًا، وأن تُوثَّق التجارب المتعثّرة بأسبابها لا بنتيجتها وحدها؛ فالتوثيق الذي يحفظ النتيجة ويهمل أسبابها يسهّل التعميم الخاطئ.

ومعيارٌ واحد تختبر به المؤسسة نفسها: بعد تعثّر أيّ مبادرة، هل يخرج الفريق بمعرفةٍ تزيد جودة المحاولة التالية، أم بقناعةٍ تقلّل رغبته في المحاولة أصلًا؟

يرى المتفائل العثرة كما هي، لكنّه لا يسمح لها أن تكبر حتى تحجب الأفق كلّه، فليس المطلوب أن نغمض أعيننا عمّا جرى، بل ألّا نجعل ما جرى هو كلّ ما يمكن أن يجري.

وبعض المؤسسات لا تسقط لأنّ فرصها انتهت، بل لأنّها صدّقت مبكرًا ألا فرصة بقيت.

شارك المقال