شعار وهج
ما يبقى

الدعاء والاستعانة بالله

personديوان · للقطاع غير الربحي calendar_month22 سبتمبر 2026 schedule4 دقائق
الدعاء والاستعانة بالله: حين نُتقن الأسباب، بمن تتعلّق القلوب؟
هل ندعو لنُدَلّ على الصواب، أم لتُبارَك رغبةٌ استقرّت في نفوسنا قبل أن نرفع أيدينا؟

تصوّر مؤسستين تُعرض عليهما المنحة نفسها: منحةٌ سخيةٌ توسّع النشاط، لكنها تميل بالوجهة قليلاً عن الرسالة، وكلتاهما تفتتح اجتماعها بالدعاء؛ فأمّا إحداهما فتمضي إلى ما كانت تميل إليه من أوّل الأمر، فيكون الدعاء تأميناً على قرارٍ استقرّ سلفاً؛ وأمّا الأخرى فتُنصت للشورى، وتراجع الحاجة، ثم تردّ العرض على سخائه.

الفارق بينهما ليس في وجود الدعاء، فكلتاهما دعت؛ الفارق في موضع الدعاء من القرار: هل دعت الأولى لتُدَلّ على الصواب، أم لتُبارَك رغبةٌ استقرّت في نفسها قبل أن ترفع يديها؟

الدعاء للهداية، لا لتثبيت ما حُسم

في العمل غير الربحيّ يسهل أن يُفتَن الإنسان بما بين يديه: تمويلٌ شبه مستقرّ، وفريقٌ متمرّس، وشراكاتٌ واسعة، وخطةٌ محكمة، وكلّما تكاثرت الأسباب تسلّل إلى القلب شعورٌ خفيّ بأنّ الطريق صار مضموناً، وأنّ النتيجة امتدادٌ طبيعيٌّ لما أُعدّ، وهنا يبدأ الخلل؛ لا في التخطيط، بل في موضع اتّكال القلب وهو يخطّط!!

والدعاء يُعيد الإنسان إلى موقعه الصحيح: مسؤولٌ عن السعي، مفتقرٌ في التوفيق؛ فالسبب قد يكتمل ولا تتحقّق به النتيجة، وقد يكون محدوداً فيجري الله به ما لم يكن في الحسبان.

ولهذا فالدعاء الصادق ليس مرحلةً أخيرة نلجأ إليها بعد تعثّر الخطة، ولا عبارةً افتتاحية تُقال ثم يغيب معناها عن القرار، إنّه يسبق الخطوة؛ لأنّه لا يسأل الله - جلّ في علاه - نجاح ما قرّرناه فحسب، بل يسأله أن يدلّنا على ما ينبغي أن نقرّره، وأن يصرفنا عمّا حسبناه خيراً وليس كذلك.

وفي قول شعيب عليه السلام: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨] يجتمع السعيُ والتوكلُ والإنابة، ويمكن أن يُستفاد من ذلك مهنيّاً أنّ العمل يُنسب إلى الإنسان تكليفاً، وأنّ التوفيق يُردّ إلى الله فضلاً. فالخطةُ واجب، والخبرةُ سبب، والتمويلُ أداة؛ لكنّها جميعاً لا تستقلّ بصنع النتيجة.

الدعاء الصادق لا يطلب من الله أن يبارك رغبتنا فحسب، 

بل يهيّئ قلوبنا لقبول أن يكون الصواب في غيرها.

لكن أليس هذا تزهيداً في الإتقان؟

قد يبدو هذا الخطاب مقلقاً لمن شهد مسيرة القطاع إلى الاحترافية، فيقول: أليس القول بعدم الركون إلى الأسباب باباً لمن يترك دراسة الحاجة، أو يضعف في التخطيط، ثم يعلّق تقصيره على غياب التوفيق؟

وهذا اعتراضٌ وجيه، ومصدره الخلط بين أمرين متباينين: بذلِ السبب، وتعلُّقِ القلب به، والمطلوب أن تُبذل الأسباب في غاية الإتقان، وأن يبقى القلب متعلّقاً بمن بيده تصريفها؛ فليس الخلل في إحكام الخطة، بل في أن تصير الخطة هي مصدر الطمأنينة.

وصدق الاستعانة أدعى إلى الإتقان، لا إلى التخفّف منه؛ فمن صدق في طلب العون لم يجعل دعاءه بديلاً عن إحسان ما يستطيع، فالاستعانة لا تُعفي الإنسان مما كُلّف به، بل تمدّه بالعون والتسديد وهو ينهض بما كّلِّف به.

فالمتوكّل الصادق أشدُّ الناس أخذاً بالأسباب، وأبعدُهم عن التعلّق بها.

متى يخرج الدعاء عن موضعه؟

ولأنّه معنًى عظيم، فهو - كأيّ معنًى عظيم - قابلٌ لأن يُساء توظيفه، ويكفي في حفظه حدّان:

الأول: ألّا يكون غطاءً لضعف الإعداد، فيُقال «نسأل الله التوفيق» ثم تُهمَل دراسة الحاجة، أو يُختار غير المؤهّل، أو يُطلق المشروع قبل نضجه، وهنا يُفرَّغ الدعاء من معناه، لا لقصورٍ فيه، بل لأنّ صاحبه لم يصدق في معنى الاستعانة؛ فمن دعا وترك الإعداد لم يعمل بالتوكل، بل عَطّل ما كُلِّف به.

الثاني: ألّا يكون وسيلةً لتثبيت الرغبة، فقد يدعو الإنسان بالتوفيق وهو لا يقبل أن يكون التوفيق في تغيير المسار، أو تأخير المشروع، أو التخلّي عن شراكة، أو الاعتراف بأنّ تقديره الأول لم يكن صائباً؛ فكأنّه لا يسأل الله الخير، بل يسأله أن يبارك ما اختاره سلفاً.

والدعاء الصادق أوسع من ذلك؛ فهو يربّي في صاحبه الاستعدادَ لأن يكون الخير في غير ما أراد، ولذلك يخفّف من التعلّق بالرأي، ويجعل القائد أكثر إنصاتاً للشورى، وأقلّ مكابرةً في مراجعة القرار؛ فمن كان قلبه متعلّقاً بالله لم يحتج إلى الدفاع عن كلّ اختيارٍ اتّخذه، كأنّ رجوعه عنه انتقاصٌ من مكانته.

أين يظهر هذا في المؤسسات؟

يظهر هذا المعنى في القرارات التي تختلط فيها الرغبة بالمصلحة: قبولِ تمويلٍ قد يغيّر وجهة العمل، أو الاستمرارِ في مشروعٍ لم تعد الحاجة إليه قائمة، وهنا لا يكفي أن نقول «استخرنا ودعونا» ثم نمضي حيث تميل نفوسنا؛ بل لا بدّ أن يصحب الدعاءَ جمعُ المعلومات، والشورى، وصدقُ المراجعة.

ولا يختصّ هذا بالقرارات الكبرى؛ فالعامل يواجه المراد نفسه حين يختار بين ما يخدم الرسالة وما يحفظ راحته أو صورته أو موقعه.

على أنّ حضور هذا المفهوم في المؤسسة لا يُقاس بكثرة العبارات الإيمانية في عروضها، بل بلغة قيادتها عند النجاح والتعثّر، هل تنسب النجاح إلى حسن التدبير وحده، ثم تقرأ التعثّر بوصفه غياباً للتوفيق؟ أم تجمع بين الشكر والمراجعة، وبين الافتقار والمساءلة؟

ومعيارٌ واحد يكشف ذلك: حين يتعطّل سببٌ رئيس، هل تجتمع في المؤسسة حركةٌ مسؤولة وقلبٌ مطمئن؟ أم تنحرف إلى أحد طرفين: هلعٌ يجعل الوسيلة كأنّها الضمان، أو خطابٌ تعبّديٌّ يُعفي الإدارة من فحص الخلل؟

الدعاء لا يحمل العمل بدلاً عن الإنسان، لكنّه يحمل قلب الإنسان وهو يعمل. والاستعانة لا تُسقِط الأسباب، لكنّها تمنعها من أن تستولي على موضع الطمأنينة في القلب.

وإذا تأخّرت الإجابة لم يجعل المؤمن تأخّرها علامةَ خذلان؛ لأنّه لا يحصر الخير فيما طلب، ولا التوفيق فيما خطّط له، وهكذا تمضي اليد في الأسباب بكلّ ما تستطيع، ويبقى القلب معلّقاً بمن بيده الأمر كلّه.

شارك المقال