شعار وهج
ما يبقى

الاحتساب

personديوان · للقطاع غير الربحي calendar_month22 سبتمبر 2026 schedule4 دقائق
الاحتساب: ما الذي يُبقي جذوة العطاء مشتعلة؟
لماذا يحترق بعضُ العاملين في القطاع، بينما يستمرّ آخرون لعقود؟

في كل مؤسسة خيرية وجهان لا تذكرهما التقارير: وجه انطفأ مبكرًا، ووجه ظل يعطي حتى بعد ثلاثين عامًا.
الفارق بينهما ليس في الراتب ولا المنصب ولا حجم العمل، بل في شيء أعمق.. فما سر من يبقى؟

تأمّل موظّفَين في مؤسسةٍ واحدة، دخلا في العام نفسه، بالراتب نفسه، وتحت المدير نفسه، الأوّل بدأ مشتعلًا، يسبق زملاءه إلى العمل ويتأخّر بعدهم؛ فلمّا مرّت ثلاث سنواتٍ دون ترقيةٍ تُنصِفه ولا كلمةِ تقديرٍ تبلّه، انطفأ على مهل، حتى صار يحضر بجسده ويغيب بقلبه.

والثاني لم يكن أقلَّ تعرُّضًا للتجاهل ولا أوفرَ حظًّا في الترقية، لكنّه بعد عشرين عامًا ما زال يعمل كأنّ اليوم أوّلُ أيّامه.

سَلْه عن سرّه، فلن يحدّثك عن الراتب ولا المنصب؛ سيقول لك بعبارةٍ أو أخرى: «أنا لا أعمل لهم، أنا أعمل لله؛ وأجري لا يملكه بشر»، هذه الجملةُ الصغيرة هي كلُّ الفرق، وهي ما نسمّيه: الاحتساب.

والاحتراق الوظيفي في القطاع غير الربحي ليس استثناءً، وغالبًا ما ننشغل بمعالجته عبر الحوافز والترقيات وبرامج التحفيز، بينما يغيب عنا عامل أعمق في معادلة البقاء: الاحتساب.

ما الاحتساب حقًّا؟

الاحتسابُ في أصله أن يعمل العاملُ محتسبًا أجرَه عند الله، لا عند الناس ولا في التقدير المنظور، وهو في ظاهره معنًى تعبّديّ، لكنّه في أثره - حين نتأمّله بعين الإدارة - أقربُ إلى نظامِ دافعيةٍ داخليّ مكتفٍ بذاته. فالعامُل الذي يستمد معنى عمله من رضا الله لا تبقى طاقته رهينة بمديح الناس أو تقصيرهم؛ لأن مصدرها أعمق مما يملكون.

ولهذا كثيرًا ما نجد أن أكثر العاملين صمودًا ليسوا أعلى الناس أجرًا، بل أعمقهم ارتباطًا برسالتهم، وهذا ما يستقرّ في أدبيات دوافع العمل من تمييزٍ بين الدافع الداخليّ والخارجيّ.

الاحتسابُ، بلغة القطاع، هو أرقى صور الدافع الداخليّ؛ إذ يربط العمل لا بمعنًى دنيويٍّ قابلٍ للزوال، بل بأجرٍ عند من لا تضيع عنده الأعمال.

من لا يعمل من أجل تقديرك، لا تملك أن تُحبطه بحجب تقديرك.

«لكنّ هذا مثاليّ...»

قد يعترض قارئٌ خبِرَ القطاع فيقول: هذا كلامٌ جميل، لكنّه مثاليّ، فكم من عاملٍ احتسب وأتقن وصبر، ثم طحنته بيئةٌ ظالمةٌ حتى غادر مكسورًا؟ أليس الاحتساب - في نهايته - عبئًا إضافيًّا نُحمّله للضحيّة: أن تُعطي، ثم تُظلَم، ثم يُطلَب منك أن ترضى؟

وهذا اعتراض وجيه؛ فالاحتساب لا يلغي الظلم ولا يمنع الإنسان من مغادرة بيئة لا تنصفه، لكنه يمنع الظلم من أن يتحول إلى مرارة تفسد عليه رسالته.

الاحتسابُ ليس تبريرًا للظلم؛ إنه درعٌ ضدّ أن يسكن الظلمُ القلب، وفرقٌ كبيرٌ بين من يصبر محتسبًا وهو يسعى لتغيير ما يظلمه، ومن يستسلم متذرّعًا بالاحتساب عن السعي؛ فالاحتساب لا يمنعك من المطالبة بحقك، لكنه يمنع الظلم من أن يسرق منك نفسك.

كيف نحفظ الاحتساب من التشويه؟

ولأنّ الاحتساب قيمةٌ عظيمة، فهو - كأيّ قيمةٍ عظيمة - قابلٌ لأن يُساء توظيفُه، وحتى يبقى وقودًا لا يصير عذرًا، تضبطه ثلاثة حدود، لكلٍّ منها آليّةٌ يتسرّب منها الخلل إن أُهمِلت:

الحدّ الأوّل: أنّه ليس بديلًا عن الإدارة الجيّدة، حين تعتمد المؤسسة على احتساب عامليها لتحمل ضعف التنظيم، يتحول الاحتساب من نعمة إلى مخدر يؤجل علاج الخلل الإداري؛ فما يُستنزف من روح العاملين لا تعوضه لوائح ولا حوافز.

الحدّ الثاني: أنّه ليس مبرِّرًا لإهمال الحقوق، فالاحتساب لا يسقط الحقوق، بل يجعل الوفاء بها أولى وأوجب؛ لأن خذلان المحتسب أشد من خذلان غيره.

الحدّ الثالث: أنّه مسؤوليةٌ فرديّةٌ لا تُملى؛ فالاحتساب لا يُفرض، فإذا تحول إلى مطلب مؤسسي فقد جوهره، لأنه لا ينبت إلا من الداخل، وإنما يعزز بالقدوة وبيئة التقدير.

وبهذه الحدود يتّضح أنّ الاحتساب والإدارةَ العادلةَ ليسا خصمين يُغني أحدُهما عن الآخر، بل جناحان: الاحتسابُ يمنح الرسالة، والإدارةُ تحفظ الكرامة؛ وبجناحٍ واحدٍ لا يطير أحد.

كيف يظهر هذا في المؤسسات؟

إن صحَّ أنّ الاحتساب أعمقُ عوامل البقاء، فالسؤال المؤسسيّ ليس «كيف نُثني على المحتسبين؟» بل «كيف نبني بيئةً تُغذّي معناهم بدل أن تستنزفه؟»، ويترجم ذلك عمليًا إلى بيئة تربط العامل برسالة يراها ويلمس أثرها، وتصون حقه المادي والمعنوي حتى لا يُستنزف احتسابه في جبر ما قصّرت فيه الإدارة، كما تحتفي بالأثر الحقيقي ولو كان صامتًا؛ فليس أكثر العاملين أثرًا هم دائمًا أكثرهم ظهورًا.

ومعيارٌ واحدٌ تختبر به أيُّ مؤسسةٍ نفسها بصدق: هل تتعامل مع احتساب منسوبيها بوصفه بئرًا تسحب منها بلا حساب؟ أم بوصفه أمانةً تحفظها ببيئةٍ عادلةٍ وتقديرٍ صادق؟ في الجواب الصادق عن هذا السؤال يظهر الفرقُ بين مؤسسةٍ تُنمّي عطاءَ أهلها، وأخرى تستهلكه ثم تقف حائرةً تتساءل: لماذا يرحل أفضلُ من عندنا؟

الاحتسابُ بئرٌ إن سحبتَ منها بلا مراعاةٍ، نضبت في صمت.

يمرّون في طرقات العطاء كما ينساب الضوء في الفجر الأول: هادئين، عميقي الأثر، لكن الضوء لا يدوم إلا في هواء نقي، والاحتساب لا يزدهر إلا في بيئة عادلة؛ فإذا تُرك وحده يحمل ما عجزت عنه الإدارة، ذوى في صمت.

والفرقُ بين المصيرين لا يسكن في قلوب العاملين وحدها، بل في ضمائر المؤسسات.

شارك المقال