التواضع حين العطاء
متى يتحول العطاء من إحسان إلى سلطة خفية على من يتلقاه؟
«أخذت ما احتجت إليه، لكنني خرجت وأنا أشعر أنني أصغر مما دخلت».
عبارة قد لا يقولها مستفيد في وجه مؤسسة أو جمعية، لكنها تسكن بعض التجارب، فالمساعدة وصلت، والإجراء اكتمل، وسُجلت الحالة ضمن المنجز؛ ومع ذلك بقي في النفس أثر لا يظهر في التقارير.
وهنا يفترق أمران يظنان واحدًا: أن تصل المساعدة، وأن تصل سليمة لا تجعل من حاجة الإنسان منزلة يرتفع بها من أعطاه.
من أين يأتي الاستعلاء؟
قلّ أن يصرّح عامل في القطاع بأنه أفضل من المستفيد، أو أن يتعمد إذلاله بلفظ مباشر؛ فالاستعلاء غالبًا أخفى من الكلام، يبدأ من شعور داخلي بأن ما نقدمه فضل منا، وأن الطرف الآخر مدين لنا به.
ومتى استقر هذا الشعور ظهرت آثاره وإن تهذبت العبارات: ينتظر المعطي امتنانًا يوازي ما قدم، ويضيق باعتراض المستفيد، ويعد رفضه لبعض ما عُرض عليه جحودًا، وربما رأى لنفسه حقًا في التدخل في قراراته؛ لأنه سبق أن أعانه.
وأصل الخلل في الطريقة التي يرى بها المعطي ما بين يديه.
من رأى ما بيده دليلًا على فضله استعلى به، ومن رآه أمانة ساقها الله على يديه تواضع بها.
ولهذا جاء النهي صريحًا في قول الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: 264]
فالمنة لا تؤذي المتلقي فحسب، بل قد تفسد العطاء نفسه وتنقص من تمام الإحسان فيه، ويمكن أن يُستفاد من ذلك مهنيًا أن كرامة المتلقي ليست إضافة تجميلية إلى الخدمة، بل جزء من جودة أدائها؛ فما يسد حاجة الإنسان ثم يتركه مثقلًا بالمهانة لم يبلغه الإحسان كاملًا.
ويزداد هذا المعنى وضوحًا في قصة موسى عليه السلام؛ فقد سقى للمرأتين، ثم تولى إلى الظل وقال:
﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: 24]
اجتمع في الموقف إحسانه إلى غيره وافتقاره إلى ربه: أعان محتاجًا، ثم أعلن حاجته إلى الخير، وكأن العطاء لم يمنحه شعور الاستغناء، بل ردّه إلى معرفة منبع الخير الذي جرى على يديه.
حين يصبح العطاء دَينًا خفيًا
من أخطر صور المنّة أن يتحول العطاء إلى دَين غير مكتوب، لا يُطالب المستفيد بسداده مالًا، بل امتنانًا وصمتًا وولاءً.
فلا يُقبل منه أن يعترض؛ لأن المؤسسة أو الجمعية «وقفت معه»، ولا أن يرفض خدمة لا تناسبه؛ لأنه ينبغي أن «يعرف قيمة ما قُدم له»، ولا أن ينسحب من برنامج لم يعد نافعًا له؛ لأن الانسحاب يُقرأ جحودًا لا حقًا مشروعًا، وربما نُقل رفضه أو اعتراضه من ملف إلى آخر، فصار موقفه من المؤسسة حكمًا على استحقاقه في المستقبل.
وهنا لا يعود العطاء معينًا للإنسان على استعادة قدرته، بل يصبح وسيلة لتوسيع سلطة المعطي عليه، والتواضع لا يعني أن يتنكر الإنسان لما قدم، وإنما أن يدرك أن عطاءه لم يمنحه ملكية على قلب من تلقاه، ولا حقًا في شراء نصيحته أو ولائه.
التحقق أمانة، والاستعلاء شيء آخر
قد يقال: إن الكيان مؤتمن على موارده، والتحقق من الاستحقاق واجب، ولا يمكن أن تُبنى قراراته على العاطفة. وهذا صحيح؛ فالتواضع لا يلغي الضوابط، ولا يجعل الشعور بديلًا عن الدقة.
لكن التحقق شيء، والاستعلاء شيء آخر؛ التحقق يسأل بقدر الحاجة، والاستعلاء يستطيل بالسؤال، التحقق يقيم انطباق المعايير، والاستعلاء يصدر حكمًا على قيمة الإنسان، التحقق قد ينتهي إلى أن البرنامج لا ينطبق عليه؛ أما الاستعلاء فيوحي بأنه لا يستحق.
ويكشف الفرق بينهما أن كثيرًا مما يجرح المستفيد لا يزيد الكيان يقينًا أصلًا: إعادة سؤال أجيب عنه، وطلب مستند لا يؤثر في القرار، أو استدعاء تفاصيل لا تخدم إلا فضول الإجراء، فهذه ليست حوكمة رشيدة، بل خلل في التصميم يُحسب على الحوكمة وليس منها.
والتواضع لا يجعل المستفيد صاحب القرار في كل شيء، لكنه يمنع الكيان من أن يتصرف كأن قبوله له هبة يمنحها دائمًا في توجيهه، أو أن رفضه لبعض خياراته طعن في فضله.
كيف يظهر التواضع بعد العطاء؟
يظهر حين تفصل المؤسسة بين قرارها بشأن الاستحقاق ونظرتها إلى الإنسان، فلا يتحول الرفض إلى إدانة، ولا القبول إلى منّة.
ويظهر حين لا تذكّر المستفيد بما قُدم له كلما اختلف معها، ولا تجعل استمرار الخدمة مشروطًا بامتنان ظاهر أو ولاء شخصي، ولا تنقل اعتراضه إلى سمعته أو فرصه اللاحقة.
ويظهر أيضًا في لغتها الداخلية: هل تتحدث عنه بوصفه إنسانًا له حق أن يقبل ويرفض، أم بوصفه تابعًا ينبغي أن يظل ممتنًا؟
ومعيار واحد يكشف موضع المؤسسة: بعد أن يتلقى المستفيد خدمتها، هل يبقى قادرًا على أن يعترض أو يرفض أو ينسحب، من غير أن يشعر أنه خان فضلًا سابقًا أو جحد يدًا امتدت إليه؟
فإذا كان العطاء يضيق حريته، أو يحمله دينًا من الامتنان، فثمة ما ينبغي أن يتغير؛ لا في مقدار ما نعطيه، بل في الموضع الذي نقف فيه ونحن نعطي.
خاتمة
المتواضع في عطائه لا يقلل مما يقدم، لكنه يعرف موقعه منه: طريق للخير، لا صاحب مقام فوق الناس. يمد يدًا لسد حاجة، لا ليصنع دينًا؛ ويترك لمن أعانه حقه في الاختيار والاعتراض، دون أن يطالبه بثمن من الامتنان أو الولاء. فخير العطاء ما سدّ الحاجة، ولم يترك المعطى واقفًا فوق من تلقاه.



