شعار وهج
ما يبقى

الشغف

personفريق المركز الإعلامي · جمعية وهج الثقافية calendar_month17 سبتمبر 2026 schedule3 دقائق

الشغف بالرسالة: أنملك عملنا، أم يملكنا؟

كيف يكون الشغف باعثًا على الإتقان والاستمرار، لا عذرًا للارتجال أو بابًا للاستنزاف؟

تتكرّر في المؤسسات صورةٌ يعرفها العاملون: موظفٌ هو أول من يبادر، وأقلهم اعتذارًا عن مهمة، يحمل همّ العمل إلى بيته، ويردّ على الرسائل في إجازته، ويُقال عنه في إعجاب: «هذا شغفه، لا مجرد وظيفة»، ثم مع الوقت قد يغادر، أو يبقى وقد خفت ذلك الوهج الذي كان يميّزه.

* السؤال ليس: لماذا قلّ إخلاصه؟ بل: كيف يصبح أشدّ الناس حبًّا للعمل أكثرهم عُرضةً لأن يستهلكه العمل؟

هل كلّ شغفٍ من نوعٍ واحد؟

اعتدنا أن نتحدّث عن الشغف كأنه مقدارٌ واحد يزيد أو ينقص، لكن عالم النفس روبرت فاليران وزملاؤه قدّموا عام ٢٠٠٣ النموذج الثنائيّ للشغف، وميّزوا بين شغفٍ منسجم وشغفٍ استحواذي.

في الأول يندمج النشاط في هوية الإنسان دون أن يبتلع بقية حياته؛ يمارسه باختياره، ويستطيع أن يتوقف حين يلزم.

وفي الثاني يتحوّل الارتباط بالنشاط إلى ضغطٍ داخليّ يدفع صاحبه إليه، حتى حين يزاحم سائر أدواره.

وفي دراستين على ممرّضين في فرنسا وكيبيك، أظهرت النتائج أن الشغف المنسجم ارتبط بزيادة الرضا عن العمل وانخفاض الصراع بين العمل وبقية الحياة، بينما ارتبط الشغف الاستحواذي بزيادة هذا الصراع، الذي ارتبط بدوره بارتفاع الاحتراق المهني.

هذه معلومةٌ بحثية، أمّا ما تعنيه لنا مهنيًّا، فهو أن قوة الشغف وحدها ليست المعيار؛ فقد يكون السؤال الأهمّ ليس: كم يبلغ شغفك؟ بل: أنملك عملنا، أم يملكنا؟

وهنا يفترق الشغف عن الاحتساب؛ فالاحتساب يجيب عن سؤال: لمن أعمل، وممّن أرجو الأجر؟

أمّا الشغف فيتصل بعلاقتي بالعمل نفسه: هل ما زلت أرى الغاية التي أخدمها؟ وهل أستطيع أن أخدمه دون أن يبتلع بقية حياتي؟

* وقد يكون الإنسان صادق الاحتساب، مستقيم النية، ثم ينهك جسده ونفسه؛ فسلامة المقصد لا تلغي حدود الطاقة.

حين يُستهلك الشغف

يبدأ الاستنزاف أحيانًا من صاحب الشغف نفسه، فمن اشتدّ ارتباطه برسالته قد يصعب عليه أن يتوقف؛ وقد يرى الراحة تقصيرًا، والإجازة ذنبًا، والاعتذار عن مهمة خذلانًا، فيحمّل نفسه أكثر مما تحتمل، ويخلط بين حدّ حماسته وحدّ طاقته.

وحفظ النفس هنا ليس خصومةً مع الرسالة، بل حفظٌ للقدرة على خدمتها؛ فحبّ العمل لا يسقط حقّ البدن في الراحة، ولا حقّ الأهل في الحضور، ولا حقّ النفس في أن تستعيد اتزانها، والخلل ليس في أن تعني الرسالة للإنسان كثيرًا، بل في أن تصبح قيمته عند نفسه معلّقةً بقدر ما يبذل لها، حتى لا يعرف لنفسه معنى خارجها.

وقد تدفع المؤسسة في الاتجاه نفسه من حيث تظنّ أنها تكافئ الشغف: فتحمّل المتوقّد أكثر لأنه لا يعتذر، وتفسّر طول الحضور بأنه انتماء، وتجعل الاستجابة الدائمة علامةً على الالتزام، وهكذا تحوّل الشغف من ارتباطٍ حيّ بالرسالة إلى موردٍ مجاني يُسحب منه حتى يضعف صاحبه.

حين يصير الشغف عذرًا

وللشغف انحرافٌ آخر: أن يُستعمل بدل الإتقان، لا باعثًا عليه.

قد يُقال للعامل الذي يشتكي اضطراب التكليف: «نحن أصحاب رسالة»، ولمن يسأل عن حدود دوره: «العمل هنا لا يُقاس بهذه الطريقة»، ولمن يطلب أدواتٍ تُعينه على أداء مهمته: «المهمّ أن يكون عندك شغف». وهكذا تتحوّل قيمةٌ جميلة إلى موردٍ تعوّض به المؤسسة ضعف تنظيمها.

لا ينبغي للمؤسسة أن تطلب من العامل أن يعوّض بشغفه ما عجزت هي عن تنظيمه.

وفي المقابل، لا تكون الحماسة عذرًا للعامل عن التعلّم؛ فالرسالة لا تحتاج أن نحبّها فقط، بل أن نُحسن خدمتها؛ ومن جعل شغفه بديلًا عن الإتقان فصل الحماسة عن غايتها؛ فحبّ القضية يزيد مسؤوليتنا عن جودة ما يُقدّم باسمها، ولا يُعفينا منها.

ما الذي يعيد الشغف إلى موضعه؟

الشغف بالرسالة ليس حرارةً دائمة، بل صلةٌ بقضية يرى العامل نفسه جزءًا منها، وهذه الصلة هي التي تجعل الوظيفة أكثر من سلسلة مهام؛ تجعلها خدمةً لغاية تستحق الجهد، لكنه لا يطالب صاحبها أن يذوب فيها. وحين تنقطع هذه الصلة قد تبقى الحركة ويغيب سببها؛ فينجز العامل كثيرًا، لكنه لا يعود يرى لماذا يفعل ما يفعل. ولذلك لا يتجدّد الشغف بمطالبته بمزيد من الحماسة، بل بإعادة وصل جهده بأثره، وإتاحة مساحةٍ للتعلّم والتجدّد، وألّا يتحوّل استعداده للبذل إلى سببٍ دائمٍ لتحميله أكثر من غيره.

كيف تهيّئ المؤسسة لشغفٍ منسجم؟

لا تستطيع المؤسسة أن تصنع الشغف بأمرٍ إداريّ، لكنها تستطيع أن تهيّئ له بيئةً تحفظه من الاستحواذ: أن يبقى العامل قريبًا من غاية الرسالة، ويرى أثر عمله فيها، وأن يتعلّم ليُحسن خدمتها، وأن يستطيع التوقف واستعادة نفسه دون أن يُقرأ توقفه فتورًا.

وبذلك لا يبقى النموذج الثنائيّ فكرةً في دراسة؛ بل يصبح سؤالًا في ثقافة العمل: هل نكافئ من يتقن ويجدّد نفسه، أم من لا يتوقف ولو استُهلك؟

ومعيارٌ واحد يكشف التوازن: هل يظهر الشغف عندنا في مزيدٍ من الإتقان مع قدرةٍ على التوقف والتجدّد، أم في مزيدٍ من الحضور مع عجزٍ عن الانفصال؟

الشغف أن تسكن الرسالةُ في الإنسان بما يحرّكه، لا بما يبتلعه؛ وأن تدفعه إلى أن يتعلّم لها، ويتقن باسمها، ويحفظ في نفسه قدرةً على مواصلة خدمتها؛ فالرسائل الكبيرة لا تحتاج وهجًا سريعًا يخبو، بل أصحابًا يبقون لها، كما بقوا أوفياء لما قامت من أجله.

شارك المقال